ابن الأجدابي
44
الأزمنه والأنواء
وقد كانت العرب في الجاهلية تفعل مثل هذا ، وتزيد في كل ثالثة من سنيها شهرا « 1 » ، على نحو ما ذكرناه عن العبرانيين واليونانيين . وكانوا يسمّون ذلك النّسيء . وكانت سنة النّسيء ثلاثة عشر شهرا قمريّة . وكانت شهورهم حينئذ غير دائرة في الأزمنة ، كان لكلّ « 2 » شهر منها زمن معلوم لا يعدوه . فهذا كان فعل الجاهلية حين أحدثوا النّسيء ، وعملوا به . فلما جاء الله تعالى بالإسلام بطل ذلك ، وحرم العمل به ، فقال : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ « 3 » . وقال عزّ وجلّ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ « 4 » . فسنة العرب اليوم اثنا عشر شهرا قمريّة دائرة في الأزمنة الأربعة .
--> ( 1 ) أشار إلى ذلك أبو الريحان البيروني في الآثار الباقية 62 وأوضحه ، قال « وكانوا في الجاهلية يستعملونها على نحو ما يستعمله أهل الإسلام ( أي الشهور ) . وكان يدور حجهم في الأزمنة الأربعة . ثم أرادوا أن يحجوا في وقت إدراك سلعهم من الأدم والجلود والثمار وغير ذلك ، وأن يثبت ذلك على حالة واحدة ، وفي أطيب الأزمنة وأخصبها . فتعلموا الكبس من اليهود المجاورين لهم ( أي في يثرب كما ذكر في القانون المسعودي ) . وذلك قبل الهجرة بقريب من مائتي سنة . فأخذوا يعملون بها ما يشاكل فعل اليهود من إلحاق فضل ما بين سنتهم وسنة الشمس شهرا بشهورها إذا تم . . ويسمون هذا من فعلهم النسيء ، لأنهم كان ينسئون أول السنة في كل ستين أو ثلاث شهرا ، على حسب ما يستحقه التقدم » . وانظر أيضا الآثار الباقية 11 - 12 ، 325 ، والقانون المسعودي 92 ، 131 والتفسير الكبير لفخر الدين الرازي 4 / 447 . هذا وقد أنكر المستشرق الأستاذ كرلونلين الإيطالي مسألة النسيء بمعنى كبس الشهور عند العرب لموافقة السنة الشمسية ، وناقش الآراء والروايات الوارد بذلك ، وردها كلها . ومنها آراء أبي الريحان البيروني ، في كتابه « علم الفلك ، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى » وقال نلينو : ( ص 92 - 93 ) « فلا مرية أن هذه الأخبار بوجود الكبس وكيفيته عند عرب الجاهلية جميعها من باب مجرد الظن والتخمين ، ذهب إليه الفلكيون في عهد لم يقف فيه أحد على حقيقة النسيء . وقال أيضا في آخر كلامه على هذا الموضوع ( ص 104 ) : « فاتضح مما تقدم أن معرفة حقيقة النسيء قد اندرست تماما نحو منتصف القرن الأول للهجرة ، كما اندرست معرفة غيره من آثار الجاهلية » . وانظر الصفحات 87 - 104 من كتاب نلينو المذكور ، ففيه تفصيل وبيان يحسن الاطلاع عليهما : ( 2 ) في الأصل المخطوط : كل ، وهو غلط . ( 3 ) تمام الآية : « يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ، يُحِلُّونَهُ عاماً ، وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً ، لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ، فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ . . . » سورة التوبة 9 / 37 . ( 4 ) تمام الآية : « . . . . . فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ، فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ 9 أَنْفُسَكُمْ . . . » سورة التوبة 9 / 36 .